فصل: تفسير الآيات (17- 20):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ ثُمَّ إلَيْه تُرْجَعُونَ (11)}.
يبدأ الخلق على ما يشاء، ثم يعيده إذا ما شاء على ما يشاء.
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلسُ الْمُجْرمُونَ (12)}.
شهودهم ما جحدوه في الدنيا عيانًا، ثم ما ينضاف إلى ذلك من اليأس بعد ما يعرفون قطعًا هو الذي يفتت أكبادهم، وبه تتمُّ محنتُهم.
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ منْ شُرَكَائهمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بشُرَكَائهمْ كَافرينَ (13)}.
تغلب العداوةُ منْ بعضٍ على بعضٍ.
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14)}.
فريقٌ منهم أهل الوصلة، وفريق هم أهل الفرقة. فريق للجنة والمنَّة. وفريقٌ للعذاب والمحنة. فريقٌ في السعير. وفريقٌ في السرور. فريقٌ في الثواب. وفريقٌ في العذاب. فريقٌ في الفراق. وفريقٌ في التلاقي.
{فَأَمَّا الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات فَهُمْ في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15)}.
فهم في رياضٍ وغياضٍ.
{وَأَمَّا الَّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بآيَاتنَا وَلقَاء الْآخرَة فَأُولَئكَ في الْعَذَاب مُحْضَرُونَ (16)} فهم في بوارٍ وهلاك. اهـ.

.تفسير الآيات (17- 20):

قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّه حينَ تُمْسُونَ وَحينَ تُصْبحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ في السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَعَشيًّا وَحينَ تُظْهرُونَ (18) يُخْرجُ الْحَيَّ منَ الْمَيّت وَيُخْرجُ الْمَيّتَ منَ الْحَيّ وَيُحْيي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهَا وَكَذَلكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمنْ آيَاته أَنْ خَلَقَكُمْ منْ تُرَابٍ ثُمَّ إذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشرُونَ (20)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما بين سبحانه المبدأ بخلق السماوات والأرض، والمعاد بالجنة والنار، وأنهم كذبوا به، وكان تكذيبهم به مستلزمًا لاعتقاد نقائص كثيرة منها العجز وإخلاف الوعد وترك الحكمة، كان ذلك سببًا لأن ينزه سبحانه نفسه المقدسة ويأمر بتنزيهها، لأن ذلك يدفع عن المنزه مضار الوعيد، ويرفعه إلى مسار الوعد، فقال ذاكرًا من أفعاله العالية التي لا مطمع لغيره في القدرة على شيء منها ما يدل على خلاف ذلك الذي يلزم اعتقادهم، لافتًا الكلام عن صيغة العظمة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم.
{فسبحان الله} أي سبحوا الذي له جميع العظمة بمجامع التسبيح بأن تقولوا هذا القول الذي هو عَلَمه، فهو منزه عن كل نقص؛ ثم ذكر أوقات التسبيح إشارة إلى ما فيها من التغير الذي هو منزه عنه وإلى ما يتجدد فيها من النعم ووجود الأحوال الدالة على القدرة على الإبداع الدال على البعث، فقال دالًا على الاستغراق بنزع الخافض مقدمًا المحو لأنه أدل على البعث الذي النزاع فيه وهو الأصل، لافتًا الكلام إلى الخطاب لأنه أشد تنبيهًا: {حين تمسون} أي أول دخول الليل بإذهاب النهار وتفريق النور، فيعتريكم الملل، ويداخلكم الفتور والكسل، على سبيل التجدد والاستمرار، وأكد الندب إلى التسبيح بإعادة المضاف فقال: {وحين تصبحون} بتحويل الأمر فتقومون أحياء بعد أن كنتم أمواتًا فتجدون نهارًا قد أضاء بعد ليل كان دجى، فتفعلون ما هو سبحانه منزه عنه من الحركة والسعي في جلب النفع ودفع الضرر، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وله الحمد في هذين الجنسين.
ولما ذكر ما يدل على خصوص التنزيه، اتبعه ما يعرف بعموم الكمال، فقال ذاكرًا لوقت كمال النهار وكمال الظلام، وتذكيرًا بما يحدث عندهما للآدمي من النقص بالفتور والنوم اعتراضًا بين الأوقات للاهتمام بضم التحميد إلى التسبيح: {وله} أي وحده مع النزاهة عن شوائب النقص {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال.
ولما قدم سبحانه أن تنزهه ملأ الأزمان، وكان ذلك مستلزمًا لملء الأكوان، وكان إثبات الكمال أبين شرفًا من التنزيه عن النقص، صرح فيه بالقبيلين فقال: {في السماوات} أي الأجرام العالية كلها التي تحريكها- مع أنها من الكبر في حد لا يحيط به إلا هو سبحانه- سبب للإمساء والإصباح وغيرهما من المنافع {والأرض} التي فيها من المنافع ما يجل عن إحاطتكم به مع أنها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في فلاة، ولولا ذلك لظهر لكم ذلك برؤية ما وراءها هو شأن كل مظل مع كل مقل كما تشاهدون السحاب ونحوه.
ولما خص الإمساء والإصباح، عمّ فقال معبرًا بما يدل على الدوام، لأن وقت النوم الدال على النقص أولى بإثبات الكمال فيه: {وعشيًا} أي من الزوال إلى الصباح {وحين تظهرون} أي تدخلون في شدة الحر، وسبحانه الله في ذلك كله، فالآية من الاحتباك: ذكر التسبيح أولًا دليلًا على إرادته ثانيًا، والحمد ثانيًا دليلًا على إرادته أولًا، ولعل المراد بالإظهار هنا ما هو أعم من وقت الظهر ليكون المراد به من حين يزول اسم الصباح من وقت ارتفاع الشمس إلى أن يحدث اسم المساء، وهو من الظهر إلى الغروب- قاله ابن طريف في كتابه الأفعال ونقله عن الإمام عبد الحق في كتابه الواعي، وذلك حين استبداد النهار فيكون كماله فيما دون ذلك من باب الأولى، وهذا مع هذه الدقائق إشارة إلى الصلوات الخمس، أي سبحوه بالخضوع له بالصلاة في وقت المساء بصلاة العصر والمغرب، وفي وقت الصباح بالصبح، وفي العشى بالعشاء، وفي الإظهار بالظهر، وفي هذا التخريج من الحسن بيان الاهتمام بالصلاة الوسطى، فابتدأ سبحانه بالعصر التي قولها أصح الأقوال، ودخول المغرب في حيزها بطريق التبعية والقصد الثاني، وثنى بالصبح وهي تليها في الأصحيّة وهما القريبتان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة» رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه، «من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وجبت له الجنة» أسنده صاحب الفردوس عن عمارة بن روبية رضي الله عنه ورواه مسلم وغيره عنه بلفظ: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني الفجر والعصر كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا لا تفوتنكم» ثم قرأ {فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} رواه البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر» يدخل هنا.
ولما ذكر دلالة على البعث المستلزم للوحدانية مطلق التحويل الذي هو إحياء في المعنى بعد إماتة، أتبعه الإحياء والإماتة حقيقة، صاعدًا من ذكر البعث تصريحًا بما كان ألقاه تلويحًا فقال: {يخرج الحي} كالإنسان والطائر {من الميت} كالنطفة والبيضة {ويخرج الميت} كالبيضة والنطفة {من الحي} عكس ذلك {ويحيي الأرض} باخضرار النبات.
ولما كان من الأراضي ما لا ينبت إلا بعد مدة إنزال المطر، ومنها ما ينبت من حين إنزال المطر عقب تحطم ما كان بها من النبات سواء، أسقط الجار هنا تنبيهًا على الأمر الثاني لأنه أدل على القدرة، فهو أنسب لهذا السياق ولمقصود السورة، ولأنه جعل فيه قوة إحيائها على الدوام فقال: {بعد موتها} بيبسه وتهشمه.
ولما كان التقدير: كذلك يفعل على سبيل التكرر وأنتم تنظرون، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل فعله هذا الفعل البديع من إخراجه لهذا الحي حسًا ومعنى من الميت {تخرجون} بأيسر أمر من الأرض بعد تفرق أجسامكم فيها من التراب الذي كان حيًا بحياتكم- هذا على قراءة الجماعة البناء للمفعول.
وبناه حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه للفاعل إشارة إلى أنهم لقوة تهيئهم لقبول البعث صاروا كأنهم يخرجون بأنفسهم- روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن لقيط بن عامر رضي الله عنه أنه خرج وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق رضي الله عنه، قال: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الغداة خطيبًا إلى أن قال: «ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس فقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب، فضحك لعمر الله وهز رأسه فقال: ضن ربك بمفاتيح الخمس من الغيب فذكره حتى ذكر البعث قال: فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت: لا تحيا أبدًا، ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أيامًا حتى أشرقت عليها وهي شرفة واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء كما أنه يجمع نبات الأرض فتخرجون».
ولما كان التقدير: هذا من آيات الله التي تشاهدونها كل حين دلالة على بعثكم، عطف عليه التذكير بما هو أصعب منه في مجاري العادات فقال: {ومن آياته} أي على قدرته على بعثكم.
ولما كان المراد إثبات قدرته سبحانه على بعثهم بعد أن صاروا ترابًا بإيجاده لأصلهم من تراب يزيد على البعث في الإعجاب بأنه لم يكن له أصل في الحياة، وكان فعله لذلك إنما مكان مرة واحدة، قال معبرًا بالماضي: {أن خلقكم} بخلق أبيكم آدم {من تراب} لم يكن له أصل اتصاف ما بحياة.
ولما كان ابتداء الإنسان من التراب في غاية العجب، أشار إلى ذلك بأداة البعد فقال: {ثم} أي بعد إخراجكم منه {إذا أنتم بشر} أي فاجأتم كونكم لكم بشرة هي في غاية التماسك والاتصال مع اللين عكس ما كان لكم من الوصف إذا كنتم ترابًا، وأسند الانتشار إلى المبتدأ المخاطب لا إلى الخبر لأن الخطاب أدل على المراد فقال: {تنتشرون} أي تبلغون بالنشر كل مبلغ بالانتقال من مكان إلى مكان مع العقل والنطق، ولم يختم هذه الآية بما ختم به ما بعدها دلالة على أنها جامعة لجميع الآيات، ودلالة على جميع الكمالات، وختم ما بعدها بذلك تنبيهًا على أن الناس أهملوا النظر فيها على وضوحها، وكان من حقهم أن يجعلوها نصب أعينهم، دلالة على كل ما نزلت به الكتب، وأخبرت به الرسل، وكذلك أكد في الإخبار إعلامًا بأنهم صاروا لإهمالها في حيز الإنكار. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{فَسُبْحَانَ اللَّه حينَ تُمْسُونَ وَحينَ تُصْبحُونَ (17)}.
لما بين الله تعالى عظمته في الابتداء بقوله: {مَّا خَلَقَ الله السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إلاَّ بالحق} [الروم: 8] وعظمته في الانتهاء، وهو حين تقوم الساعة ويفترق الناس فريقين، ويحكم على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، أمر بتنزيهه عن كل سوء ويحمده على كل حال فقال: {فَسُبْحَانَ الله} أي سبحوا الله تسبيحًا، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى:
في معنى سبحان الله ولفظه، أما لفظه ففعلان اسم للمصدر الذي هو التسبيح، سمي التسبيح بسبحان وجعل علمًا له.
وأما المعنى فقال بعض المفسرين: المراد منه الصلاة، أي صلوا، وذكروا أنه أشار إلى الصلوات الخمس، وقال بعضهم أراد به التنزيه، أي نزهوه عن صفات النقص وصفوه بصفات الكمال، وهذا أقوى والمصير إليه أولى، لأنه يتضمن الأول وذلك لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب، وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك، وهو الذكر الحسن وبالأركان معهما جميعًا وهو العمل الصالح، والأول هو الأصل، والثاني ثمرة الأول والثالث ثمرة الثاني، وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد شيئًا ظهر من قلبه على لسانه، وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحواله وأفعاله، واللسان ترجمان الجنان والأركان برهان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، وهي مشتملة على الذكر باللسان والقصد بالجنان، وهو تنزيه في التحقيق، فإذا قال نزهوني، وهذا نوع من أنواع التنزيه، والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع فيجب حمله على كل ما هو تنزيه فيكون أيضًا هذا أمرًا بالصلاة، ثم إن قولنا يناسب ما تقدم، وذلك لأن الله تعالى لما بين أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات حيث قال: {فَأَمَّا الذين ءامَنُوا وَعَملُوا الصالحات فَهُمْ في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم: 15] قال: إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل الصالحات والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان والعمل الصالح استعمال الأركان والكل تنزيهات وتحميدات، فسبحان الله أي فأتوا بذلك الذي هو الموصل إلى الحبور في الرياض، والحضور على الحياض.